anep-logo-new

الجمعة، 2 جانفي 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

إنقضى عام من ولاية ترامب الثانية: هذا ما ينتظر أميركا في 2026

إنقضى عام من ولاية ترامب الثانية:  هذا ما ينتظر أميركا في 2026

من واشنطن: محمود بلحيمر


ودّعت أميركا، مثل بقية العالم، عاما واستقبلت عاما جديدا، لكن أزمات أميركا والعالم لم تغادر مع نهاية العام الجديد؛ أزماتٌ داخلية وخارجية لا تزال تراوح مكانها بحثا عن حل، منها ما هو موروث منذ سنوات، بل ومنذ عقود، ومنها ما ولد خلال عام 2025 المنقضي بفعل السياسات الجديدة التي انتهجها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ عودته قبل عام إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، تبقّت منها ثلاث سنوات كاملة.

في يناير من العام الماضي كان العالم، المتأثر بوعود ترامب الانتخابية، متعلقا بخيط أمل في سلام قد يأتي من واشنطن. كان يتوقع على الأقل إخماد حروب مشتعلة تدمّر البشرية على نحو لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية، منها أساسا الحرب الروسية في أوكرانيا، وحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، والحرب الأهلية في السودان، ونزاعات أخرى لم تخمد إلى اليوم.

لم يفلح ترامب في إنهاء الحرب في أوكرانيا في الأسبوع الأول كما وعد، ولم يوقف حرب الإبادة في غزة ويرسي السلام في الشرق الأوسط كما وعد أيضا. وفي الوقت الذي يدّعي أنه أفلح في وضع حد لستة أو سبعة حروب، ويقول إنه يستحق جائزة نوبل للسلام، حشدَ قوات غير مسبوقة في بحر الكرايبي لدشين حرب الإطاحة بحكومة الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا. عشية العام الجديد فقط أعلن ترامب أن القوات الأميركية دمّرت مرسى ساحليا قال إنه يستخدم لانطلاق قوارب تهريب المخدرات من فنزويلا. دون أن ننسى الإشارة للحصار البحري وقصف قوارب بدعوى أنها لمهربي مخدرات..

داخل أميركا، كان الناس، لاسيما الذين صوّتوا لترامب، يأملون في أن يُثمر نهج "أميركا أولا" وشعارُ "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" بتحسن مستوى معيشتهم والاستثمار في تحسين البنية التحتيتية والتعليم والرعاية الصحية بدلا من مغامرات الحروب الخارجية. الانطباع الذي تركه ترامب بعد عام من عودته إلى البيت الأبيض لا يوحي بأن أميركا تسير بالفعل في هذا التوجه. على العكس من ذلك، تبدو أميركا رهينة ثقافة قديمة رسّختها المؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن لعقود.


ملايين الأميركيين بدون رعاية صحية  

كما كان متوقعا، سيواجه ملايين الأميركيين ارتفاعا غير مسبوق في تكاليف التأمين الصحي. وقدرت وكالة "أسوشييتد براس" أن أكثر من 20 مليون شخص من المستفيدين من الدعم ضمن برنامج قانون الرعاية الصحية المعروف باسم "أوباما كير" (ObamaCare) سيشهدون في المتوسط ارتفاعا في تكاليف أقساط التأمين الصحي بنسبة 114% في عام 2026. ويتوقع خبراء القطاع أن يتخلى ملايين الأميركيين، لا سيما الأميركيين الأصغر سنا والأكثر صحة، تماما عن التغطية الصحية، وتشير تقديرات إلى أن احتمال تخلّي نحو 4.8 مليون أميركي عن التغطية الصحية في عام 2026.

وكانت مسألة التأمين الصحي موضوع قبضة حديدية بين ترامب والديمقراطيين في الكونغرس قبل نحو شهرين، أسفرت عن إغلاق حكومي هو الأطول في تاريخ أميركا استمر لـ 43 يوما كاملة. وتتجه الأنظار إلى احتمال تصويت الكونغرس خلال شهر يناير على تشريع يضمن دعم الرعاية الصحية في إطار برنامج "أوباما كير" لكن تقديرات وسائل الإعلام لا ترجّح التصويت على التشريع. كما سبق للرئيس ترامب أن طرح فكرة إعادة توجيه أموال الدعم التي كانت تخصصها الحكومة الفدرالية مباشرة إلى الأميركيين بدلا من تسديدها إلى شركات التأمين الصحي، لكن الفكرة بقيت مجرد كلام.


النهج الاقتصادي لترامب غير مطمئن

سياسة ترامب الاقتصادية تبقى محل قلق كبير من قبل الأميركيين. غالبية من صوّتوا لترامب في انتخابات نوفمبر 2024 كان انشغالهم الأساسي الرغبة في تحسين الاقتصاد، بعد متاعب ركود في عهد بايدن، لاسيما بفعل تداعيات وباء كورونا، تسبب في ارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم حيث بلغ 9.1 في يناير 2022. لكن الأرقام لا تكذب؛ فنتائج سياسة ترامب الاقتصادية غير مطمئنة لحد الآن؛ من ذلك أن معدل التضخم لا يزال مرتفعا، فقد بلغ 3% على أساس سنوي في سبتمبر الماضي، أي بقي تماما بنفس مستوى شهر يناير 2025 عندما استلم ترامب البيت الأبيض. بينما يأمل الاحتياطي الفدرالي انخفاض التضخم إلى 2%.

التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة للأميركيين لهما علاقة مباشرة بسياسة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، لاسيما الصين وكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي. "الرسوم" قال ترامب إنها الكلمة المفضلة لديه، وبنى عليها فلسفته الاقتصادية، ففي 2 أفريل الماضي أعلن أمام حشد كبير من نخبة رجال السياسية والاقتصاد، أمام البيت الأبيض، عن "يوم التحرير" لما أعلن فرض رسوم على منتجات من 185 دولة. من بين أهداف تلك السياسة تقليص العجز في الميزان التجاري الأميركي، لاسيما مع الصين، حيث قدّر العجز التجاري لواشنطن مع بيكين بنحو 262.2 مليار دولار في 2024. (بلغت قيمة الواردات الأميركية من الصين 461.4 مليار دولار، بينما قدرت الصادرات بـ 199.3 مليار دولار).

كما يستهدف ترامب خلق ديناميكية إقتصادية داخلية من خلال تشجيع الشركات على الاستثمار في أميركا، وخلق وظائف مستقرة للأميركيين، وحماية الصناعة الأميركية والأمن القومي. ويستميت ترامب في الدفاع عن نهجه بالقول إن "الأسعار تتراجع بقوة"، وردّ على سؤال بشأن تقييمه للاقتصاد الأميركي، في مقابلة مع موقع "بوليتيكو" بإعطائه علامة "أي زائد زائد زائد" (ِِِA+ + +). كما يتفاخر ترامب بأن إيرادات الرسوم الجمركية تجاوزت200 مليار دولار..

قد يحقق هذا النهج نتائج إيجابية على المدى البعيد، مثلما يدافع عن ذلك أنصار ترامب، غير أن الشرائح العريضة من الأميركيين نفذ صبرها حيال تواصل ارتفاع تكاليف المعيشة؛ فالرسوم الجمركية المرتفعة حوّلتها الشركات إلى المستهلكين الأميركيين الذين صاروا يدفعون الارتفاع غير مسبوق في الأسعار. بينما بلغ معدل البطالة 4.6% في نوفمبر الأخير بعدما كان في حدود 4% عندما استلم ترامب السلطة من بايدن قبل عام.

وكنتيجة مباشرة لذلك، انخفضت شعبية ترامب إلى أدنى مستوياتها؛ فقد كشف استطلاع للرأي لإذاعة "أن بي آر" ومحطة "سي بي أس" أن 36% فقط من المستجوبين يثقون في سياسة ترامب الاقتصادية. بينما جاء في استطلاع أجرته "سي بي أس" في ديسمبر الأخير أن نحو 7 من 10 أميركيين صرّحوا أنهم يواجهون صعوبة في دفع تكاليف الغذاء والسكن والرعاية الصحية.


انتخابات مرتقبة وميزان قوى جديد في واشنطن

خسارة ملايين الأميركيين للرعاية الصحية وارتفاع تكاليف المعيشة مؤشران سلبيان لترامب والجمهوريون، حيث يتوقع المتابعون للشأن السياسي الداخلي أن يخسر الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر من هذا العام. حاليا يسيطر الجمهوريون، زيادة على الأبيض، على مجلسي النواب والشيوخ. علما أن الحزب الفائز بالرئاسة عادة ما يخسر الانتخابات النصفية الأولى.

لكن هناك قضايا أخرى تشغل بال الأميركيين ويُتوقع أن تلعب دورا في هذه الانتخابات؛ مثل السياسة الصارمة التي انتهجها ترامب حيال الهجرة غير الشرعية والنظامية، ومكافحة الجريمة في المدن، الطرد غير المسبوق لموظفي الحكومة الفدرالية، وقضايا أخرى ينقسم بشأنها الأميركيون بين مؤيد ومعارض.

لم يتبق لترامب وفريقه سوى 10 أشهر لكسب تأييد الناخبين في نوفمبر المقبل. وعليه يُتوقع أن يسعى لمعالجة الاختلالات التي خلّفتها سياسته حتى يسترد الزخم الذي حققه في 2024 بإجراءات ملموسة تجعل الناخبين يثقون مجددا بأن سياساته يمكن أن تحدث الفارق في حياتهم اليومية. هل هذا ممكن؟ يبدو الأمر صعبا. لكن هناك عائق آخر يتمثل في الشرخ الذي بات يقسم حركة "ماغا" الداعمة لترامب بشأن أولويات إدارته وتفاصيل السياسات المنتهجة.

فحركة "ماغا" في أزمة؛ هناك تيار يتمدد داخلها يتهم إدارة ترامب صراحة بالإنحراف عن نهج "أميركا أولا" والاستمرار في سياسات قديمة تعطي الأولوية للحروب الخارجية مثلما حصل مع قصف المنشآت النووية لإيران، تماشيا مع رغبة إسرائيل، واستمرار إقحام الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط ومنها تورطها في حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، بما يعني أن الشعار صار "إسرائيل أولا"، ودعم الإقتصاد الأرجنتيني المنهار بنحو 40 مليار دولار بحجة أن حكومة رئيس الوزراء خافيير مايلي حليفة لواشنطن، وقضايا أخرى تستنزف أموال دافع الضرائب الأميركي من دون أن يستفيذ هو من تحسين مستوى معيشته، لاسيما في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والسكن والغذاء وغيرها. علما أن الحكومة الأميركية مثقلة بديون تقدر بنحو 38 تريليون دولار.

وإذا استمر الحال على ما هو عليه فإن فريق ترامب يتجه إلى انتخابات مصيرية بصفوف غير مرصوصة، وقد يكلفه ذلك سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، وهو ما يعني مواجهة متاعب حقيقية خلال العامين المتبقيْن من ولايته، تتمثل في تعطيل الديمقراطيون لأجندته.

في الجهة المقابلة يحاول الديمقراطيون الاستثمار في عثرات ترامب لربح مقاعد جديدة بالكونغرس في نوفمبر. ومع ذلك لا يزالون يواجهون صعوبة في بلورة خطاب مناسب يعيد للحزب هويته كداعم للطبقة العاملة وللشرائح الاجتماعية المهمشة والأقليات كاللاتينيين والسود والمهاجرين، بدل البقاء رهينة قوقعة نخبويه كلّفته خسارة مذلة أمام ترامب في نوفمبر 2024.


الديمقراطيون يبحثون عن الخطاب المناسب

يحاول الديمقراطيون في الأشهر الأخيرة بلورة خطاب يركز على المتاعب اليومية للأميركيين، من ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية الصحية ومحاربة الفساد والدفاع عن الديمقراطية والانتخابات النزيهة إلخ، لكن الديمقراطيين أيضا منقسمون بين جناح الديمقراطيين الإشتراكيين، وهو التيار الصاعد ممثلا في جناح زهران ممداني، أول عمدة مسلم يتولى قيادة مدينة نيويورك، والذي يدعمه كل من السيناتور المستقل ويتكتل مع الديمقراطيين، عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرس، والنائبة في مجلس النواب عن نيويورك، ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، في مقابل التيار التقليدي للمؤسسة السياسية في واشنطن، ممثلا بحكيم جيفريز، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، والسيناتور تشاك شومر، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ. هذا التيار يخشى من أن ميل الحزب إلى أقصى اليسار قد يكلفه خسارة أصوات الناخبين من الوسط ومن الجمهوريين المعتدلين.

وزيادة على ذلك، يفتقد الديمقراطيون لقيادي ملهم، على غرار ما حصل مع باراك أوباما في 2008، يمكن أن يعزز حظوظ الحزب ضد على الأرجح نائب الرئيس جي دي فانس في رئاسيات 2028. الخبراء الاستراتيجيون يرجحون حاليا أن حاكم ولاية كاليفورنيا، جافين نيوسوم، هو الأوفر حظا للتنافس على ترشيح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية المقبلة.


م. ب

اخبار اخرى